النص ينتمي إلي
عوالمه باعتباره كائناً حياً ومستقلاً
بقلم الدكتور:أحمد
عبدالملك
يحاول الفنان
الأديب الدكتور عمر عبدالعزيز أن يأخذنا في رحلة فلسفية وواقعية في آن واحد
نحو جزر الابداع وجماليات التلقي، ومشروعيات وظروف الابداع، ويقارن بين
الحداثة الفنية والتقلبات السياسية، ويأتي علي ذكر علم الجمال ، ورؤي
الانطباعيين في الحركة التشكيلية.. ماراً برواد الفن التشكيلي مثل ليوناردو
دافنشي ، والرواية ماركيز واللغة وتطورها.
في البداية يتحدث الكاتب عن علم الجمال، ويأتي ببيت للشاعر البوصيري:
فالدر يزداد حسناً وهو منتظم
وليس ينقص قدراً غير منتظم
ويري المؤلف أن الفن يتجلي بما هو عناصر تنتظم وتأتلف كيما تشكل قيمة فنية
جميلة.. هذا هو الأثر الشكلي في الفن.. أو الأسلوب وأدوات التعبير.
ويأتي بتعريفات لعلم الجمال وعلم الأخلاق، حيث يري أن العرب ترجموا لفظة
Estetica إلي علم الجمال ولفظة Etica إلي علم الأخلاق ولفظة Logica إلي علم
المنطق .
وحول أثر علم الجمال يقول المؤلف: يساعدنا علم الجمال علي تفهم أكثر دقة
وواقعية للمدارس الفنية.. من حيث أن هذه المدارس سميت بأسماء معينة، من أجل
بسط وتقريب ذلك الكم الهائل من الأنواع والاتجاهات الفنية التي تخترق سياق
الزمن.. لذلك عمل مؤرخو تاريخ الفن والنقاد علي البحث عن الملامح العامة
المميزة لكل الرحلة. وكان أن تعممت تبعاً لذلك مفهومات مدرسية علي غرار
الكلاسيكية، الكلاسيكية الجديدة، والتأثيرية، والواقعية، والواقعية السحرية،
والرمزية، والتجريد والتكعيبية، إلخ .
ويري المؤلف أن علم الجمال يساعد الإنسان علي تفهم تلك المدارس واستيعاب
مدلولاتها الجمالية، وإخراجها من التبويبات المدرسية، والاستلال علي تفرد
كل نوع ابداعي.
ولا يفوت المؤلف الملم بقضايا الفكر والسياسة أن يربط التجليات والنزعات
الفنية المتعلقة بالجماليات بالأحداث السياسية لكل مرحلة.. ويري أن مجموعة
من المفكرين بالمدرسة الستالينية التي أرادت أن تمرر العمل الفني من ثقب
ابرة الواقعية الاشتراكية مفتعلة مقابلة عدائية بين الواقعية والرومانسية،
استمراراً لعدائية العلاقة الفلسفية بين المادة والروح. وما عملته هذه
المدرسة الستالينية لم يكن بعيداً عما قامت به الفلسفة الجبرية المادية
الأوروبية التي استبعدت بدورها كل ما هو ورائي، ممعنة في الإمساك بالمعقول
والملموس فحسب.
كما يورد الفلسفة في الإطار الماركسي، ويأتي بموقف أنطونيو جرامشي الرفض
للجمود الأيدولوجي، حيث أتهم بممالأة الفاشية، لكنه رد عليهم بمقولة المثقف
العضوي الذي ينتشر بأذرع متعددة في فضاء الحياة فكراً وممارسة.
وفي اتساق مع ذلك يحاول المؤلف تعريف الجمال الإنساني عبر مفاهيم مايكل
أنجلو والانتقال في الفن بين الاحتراف والحرفة وبين الابداع. ويري أن
الابداع الفني يستمد عناصر حيويته من الحرفة والصنعة. كما يأتي بمقارنات
بين الذوق والتقنية وبين النافع والجميل.
ويشرح تلك الانتقالات في الشعور القيمي بالطفل الذي يتعاطي الحليب كضرورة
فيزيائية، وعند التشبع ينتابه شعور من نوع آخر يفضي به إلي استمتاع جمالي
حسي وسيكولوجي، وفي كل حالة تستطرد علي الأخري محيلة العلاقة بين الطفل
والحليب إلي علاقة مركبة مزاجها الغريزة. فالرضي الحسي، فالشعور بالبهجة
الداخلية.. وهذه الحالة تستمر في غياب طرفي المعادلة الطفل- الحليب أي
تتحول إلي شرط ذهني ثابت يقبع في ذاكرة الطفل.
ويلتفت الكاتب إلي مقولة الدادا التي نشأت عام 1916، وهو اتجاه فوضوي قاده
كثيرون من فاقدي الموهبة ومحدودي الرؤية. و الدادا لا وجود لها في القاموس،
بل تشكلت عفوياً وتعني رفض الفن الأكاديمي واتجاهاته المختلفة. ويري الكاتب
أن الدادا كان رفضاً ليس فقط لرفض الفن المدروس، بل كان رفضاً للبرجوازية
التي سادت أوروبا، ويرون أن الفن لا يجب أن يعيش بعد أن يتجلي في اللحظة.
كما مزج الدادئيون موقفهم بالمذهب الفلسفي الخبيث، حيث نشروا الإثارة في
المجتمع، بل وصل بهم الموقف إلي قص ما تنشره الجرائد وترتيبه علي أنه قصائد
شعرية.
ويتناول المؤلف الشعر والفن التشكيلي والرؤي المختلفة في المجالين. ويمر
بتاريخ الفن منذ الكلاسيكية التي ظهرت في ايطاليا في القرن الثالث عشر، علي
يد مايكل أنجلو مروراً بمراحل التحول و القلق الفكري الفلسفي في أوروبا في
القرن الثامن عشر.
كما يورد المؤلف جماليات التلقي.. وتأثير العولمة السريعة التي تختصر
التلقي في لوحات الفيديو كليب، وأنماط الغناء السريع الغاضب، والمسرح
والسينما واتجاهات الفنون التشكيلية. ويلمس كذلك التحولات التي سادت
الإنسانية وموقفها من الابداع. وكيف أن ما كان يراه المجتمع قبيحاً
ومستهجناً بالأمس، يتحول اليوم إلي مطلب مُلح لعقول وقلوب لم يعد لها طاقة
وفسحة للتأمل.
وهذا يجرنا إلي الحديث عن تبدل قيم التلقي عند الإنسان.. وذلك لتأثير
التكنولوجيا المتطورة. ولعل أخطر تلك الأمثلة تلاشي اللغة الرومانسية التي
كنا نكتب بها لحبيباتنا علي الورق.. وتحول العاشق أو المحب إلي روبوت يرسل
الرسائل الهاتفية، ويتلقاها.. تماماً كما يرسل البريد الالكتروني الجامد من
العاطفة، والمحد من الخيال. كما أن شيوع وسائل الاتصال، وبروز الفضائيات
والأشرطة المدمجة قد أثر سلباً علي العلاقات الإنسانية بشكل كبير.
ويخصص المؤلف قسماًمن الكتاب للحديث عن الشعر. ومن أجمل المقاربات التي
ساقها متعمداً إسقاطها. وربطها بالفنون المختلفة، هذه اللوحة التي عبر عنها
يزيد بن معاوية موسيقياً:
نالت علي يدها
ما لم تنله يدي
نقشاً علي معصم
أوهت به جلدي
وما قاله البوصيري في صورة تشكيلية:
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة
تمشي إليه علي ساق بلا قدم
وما قاله أبو العلاء المعري في رؤية فلسفية:
جسدي خرقة تخاط إلي الأرض
فيا خائط العولم خطني
أو ما قاله محمود درويش في شكل درامي ملحمي:
وطني يعلمني حديد سلاسلي
عنف النسور ورقة المتفائل
ما كنت أعلم أن تحت جلودنا
ميلاد عاصفة وعرس جدول
كتاب صغير وجميل.. يمكن أن يكون صديقاً في زمن تخشب الأصدقاء.. أو موتهم
فوق الكراسي، أو علي حواف النعل!