متوالية القديم والجديد
إذا كانت السياسة تفرّق الأمم إلاّ أن الثقافة تجمعها

                                                                                  
*د.آمنة النصيري
*د.عمر عبد العزيز
                                                                                                                                                             بقلم: عزت عمر


يمكن توصيف هذا الكتاب بأنه عبارة عن كتابة نصّية لمؤلّفين مازجا بين نصوصهما رسماً وكتابة حول جملة من المفاهيم والشخصيات والمصطلحات المتداولة في حياتنا الثقافية. ومشروعية تسمية هذه الكتابة بـ "النصّ" تأتي من أن الكاتبين: د. آمنة النصيري، ود. عمر عبد العزيز لم يذهبا مذهب الباحث المعرّف المحلل، بل كمنشئي نصّ إبداعي جديد ينهض على نصّ أو مفهوم كائنين، وبذلك فإنه سيصعب على القارئ تصنيف هذه النصوص في نسق ما كالمقالة الصحفية أو الخاطرة، فهي ليست كذلك، وإنما هي نوع من الكتابة المغايرة التي تتوخى تقديم لمسة إبداعية جميلة من خلال مادة معرفية غنية، ترتكز بشكل أساسي على ثقافة الكاتبين في فلسفة الجمال ومجالاتها البصرية وإلى التراث النثري والشعري العربي، وخصوصاً التجربة الصوفية برؤاها الإشراقية وأبعادها التأويلية ومقاربتها أو تداخلها لكثير من المفاهيم القارة في ثقافتنا، أو تلك التي سافرت إلينا في محاولة منهما لتبيئتها عبر المقارنة، أو عبر الكشف عن المعنى، لتبيان مدى تقارب الثقافات والأرضية المشتركة التي نهضت عليها، كي ندرك في النهاية أنه إذا كانت السياسة تفرّق الأمم إلاّ أن الثقافة تجمعها، وليس ثمة اختلاف في التفكير، في التصوّر، في الممارسة، فالإنسان أي إنسان هو خير بطبعه، وأن ما يفسد مسيرته حقاً هو الأنظمة التي كان من المفترض بها أن توصله إلى الضفة الأخرى، حيث ينعم بالسعادة.
النصّ وعلومه
وعلى هذا المستوى من القراءة يمكننا دخول عوالم هذه النصوص من بابها كما يقال. وبابة الكتاب كان "النصّ" كتعبير فني خاص: شعر أو قصّة أو رواية وما إلى ذلك إذا أخذ من الناحية الأدبية، وهو أيضاً: لوحة أو لحن أو تعبير حركي، إذا أخذ من الناحية الفنية، وما يشترك بين النسقين هو التعبير بغض النظر عن اللغة المستخدمة في تحريره، كالكلمة واللون والإشارة والإيحاء والحركة والنغم. والنصّ كما يراه المؤلّفان: هو ذاته من جهة، كما أنه خارج ذاته من جهة أخرى. أي أنه ينتمي إلى عوالمه باعتباره كائناً حياً ومستقلاً في أفق علاقته بالتعبير الفني وخصوصية هذا التعبير، وهو إلى ذلك يخرج إلى عوالم اكثر شمولية. إنه بالأحرى نصّ إنساني طويل ما انفكت البشرية تكتبه في مستوى أوّل، وهو نصّ قابل للخطأ والصواب طالما أنه بشري، ولكنه إلى ذلك نصّ إشكالي قد يثلج صدور البعض، وقد يزعج آخرين تبعاً لثقافة المتلقي وحمولاته المعرفية والأيديولوجية، وهو إلى ذلك حمّال أوجه كما يقال، ولكن أكثر ما يتعبه هو القراءات الصادرة عن "مواقف مسبقة ورؤى متشرنقة في الذات الهائمة المستغرقة في الضلالات.." الأمر الذي معه يبقى باب السياسة موارباً كي تدخل متى شاءت فتحجب الحقائق تبعاً للمصالح، وكأننا بأولئك المفسرّين والمؤولين وأصحاب الإسقاطات على الواقع ينتمون إلى زمن مضى يذكّرنا على الدوام بـ "حراس القيم" من حملة صكوك الغفران الذين دأبهم قياس الإبداع بمساطرهم الخاصة، وربّما في هذه الوجهة القرائية يخرج النصّ عن كونه نصّاً فنياً أو أدبياً امتزجت فيه الأفكار بالمشاعر، الواقعي بالمتخيل..
النصّ على حدّ تعبير المؤلّفين: يخرج من أساس الفكرة التي تختمر في الذهن إلى الكتابة، ولكن هذه الكتابة ليست حالة بصرية استاتيكية سواء من حيث المبنى أو المعنى.. وإنما هو تمازج ما بين الصورة، والصوت، والتشكيل. حيث يكتب الروائي، ويقول الشاعر، ويرسم التشكيلي، وفي ثنايا أقوالهم ونصوصهم ما يثلج صدور البعض، لذلك فإن رؤية الموضوع في نسبيته ومحولاته المختلفة هو الضمان الأكيد لعدم التجديف على هذا الكاتب أو ذاك، خاصة في الأمور القابلة لتفسيرات متعددة.
أما متوالية القديم والجديد، فإنها على نحو ما ترتبط بالنصّ أيضاً، ولكنها إلى ذلك قانون حيوي تحدّث فيه الفلاسفة مطوّلاً، فثمة من يرى في الجديد ولادة من أحشاء من القديم، وثمة من يرى الجديد حالة مفارقة للقديم، بينما يرى آخرون أن كلّ شيء يعيد إنتاج نفسه، وأننا ندور في حلقة مفرغة، وما الجديد سوى وهم ارتبط بالشكل وانخطف به، فالارتقاء المعرفي والممارسي إنما هو إعادة إنتاج من نوع آخر لما كان يحدث منذ القدم. ويضربون مثالاً على ذلك بالوحشية التي وسمت البشرية قديماً وحديثاً كالحروب وبشاعات السلوك الآدمي في الإلغاء والنفي والاجتثاث، ويقولون ما الذي تغير من حيث الجوهر؟ فالتصفيات العرقية تمارس اليوم كما كان الأمر منذ آلاف السنين. وإن الأحقاد السابقة ليست سوى نقطة في بحر الأحقاد المعاصرة.. وهكذا فإن الآراء دوماً تتباين وتتنوع ولكن المؤكّد دوماً أن كلّ يوم يأتي بجديد حتى وإن تمّ ذلك في إطار الحلزون الأبدي لإعادة إنتاج البشاعات والمسرات.
ومن شؤون علم النصّ أيضاً تطرق المؤلّفان إلى مفهوم "نقد النقد"، حيث أكدا أن النقد لا يخلو من قابلية القراءة من جديد وفق منهجيات ورؤى تتباين بدورها، فثمة من ينطلق من علم جمال المضمون، فيحمّل النصّ الإبداعي أكثر مما يحتمل من قيم ورؤى تنحاز إلى موقف الناقد، في الوقت الذي يبتعد فيه عن جماليات الشكل وأدوات التعبير الفنية. ويؤكّد المؤلفان أن حداثة النصّ ترتبط أولاً وأخيراً بقابليته على التجاوز.. أي مغادرة المألوف الإبداعي إلى درجة جديدة من قلق التساؤل والاجتراح، أو كما سمياها: حالة الانفصال والاتصال بين ما كان وما هو قابل لأن يكون، وعلى هذا الاعتبار فإن النقد الأدبي الفني لا يأخذ بالمسلمات، وإنما الطواف في أقاليم الحداثات، وفي مناطق الوعورة النصّية لا التنويع على المألوف والموروث.
وإذا كان ذلك حال النقد، فإن الترجمة والترجمان كما أشار الكاتبان ينبغي التفريق بينهما، فالترجمة: هي انتقال نصّ من لغة إلى أخرى، حيث ينقل المترجم النصّ معنى وروحاً إلى لغته الأصلية. وبذلك فإن الترجمات تختلف من مترجم لآخر. أما الترجمان فأمره مختلف، لأنه يستقيم على ما يعتمل في الوجدان ويبرهن عليه العقل وتستنير به القلوب، إنه حالة تماه أو تمازج ذوقي ومعرفي يؤدّي إلى تمثّل النصّ الأصلي فإعادة تقديمه بشفافية ووضوح كبيرين، وسوف يتم الاستشهاد على هذا النوع من الترجمة بدريني خشبة في ترجمته للإلياذة وغيرها، ومن التراث بالشيخ محي الدين بن عربي الذي سمّى ديوانه بـ "ترجمان الأشواق" وصولاً إلى المستعرب الروماني "جورجي جريجوري" الذي قام بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الرومانية.
أما الكتابة والإبداع فإنه لا يمكن النظر إليهما من ناحية واحدة، لأنهما متنوّعان بتنوّع النصّ ذاته، فكاتب الرواية يختلف عن كاتب السيناريو السينمائي، ولهذا السبب كان الروائي الكولمبي جابرييل غارسيا ماركيز متحفظاً عندما عُرض عليه تحويل روايته المهمة "مئة عام من العزلة" إلى فيلم سينمائي لاعتقاده بأن الفيلم المحتمل سيفقد المشاهد ذلك القدر من الخيال والإبحار في مدينة سرابه ومراياه (ماكوندو) ناهيك بالإمساك بالصور الافتراضية الكبرى في الرواية.
أما في الوطن العربي فيرى الكاتبان أننا ما نزال نعيش زمن الإبداع الكتابي بامتياز المتمثل في سيادة النصّ الشعري وفتوة القصّة القصيرة وحيوية الإبداع الروائي. وفي هذه الآماد الكتابية لا بدّ للخيال والتصوّرات أن تحضر بسخاء عظيم. وفي مقابل ذلك نجد أن الصورة تلعب دوراً أقل تأثيراً من الناحية الإبداعية على الرغم من المحاولات الرائدة التي قام بها بعض السينمائيين، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: يوسف شاهين وخيري بشارة ومصطفى العقاد وتوفيق صالح.
وإلى ذلك فإن الكتابة لا يمكنها أن ترتهن إلى الموهبة فحسب، بل لا بدّ من امتلاك ناصية التقنية والحرفة. إنها فن اللعب بالقاموس وموسقة العارض الهادئ، والاشتعال بالماء والإمساك بالهواء والتحاف الأشياء.. والكاتب الذي يمتلك هذه الأدوات السحرية يحيل اللغة إلى فضاءات أبعد غوراً من المفاهيم المباشرة.
شخصيات
ثمة أربع شخصيات مهمّة تناولها الكتاب: الشخصية الروائية دونكيشوت، الشاعر الهندي طاغور، الشاعر والفيلسوف الفارسي عمر الخيام، والفيلسوف الإسلامي ابن رشد.
دون كيشوت، أو دون كيخوته، كما نعرفه: الشخصية الأكثر شهرة والأكثر حضوراً في لغات العالم قاطبة، بل إنه غدا بمثابة رمز يوظفه المثقفون في نتاجاتهم الإبداعية شعراً ونثراً وفناً تشكيلياً على الدوام بما تحمله شخصيته من ممكنات قابلة للتأويل وخصوصاً محاربته لطواحين الهواء. وسيعقد المؤلفان مقارنة بينه وبين (أبو حنيفة النميري) المشهور بأنه من كبار رعاديد العرب، ليتوصلا إلى أنه إذا كان النميري مفطوراً على الحذر والخوف فإن دون كيشوت نموذج لوهم البطولة والنبل، ووهم استدعاء العدو، إنه بالأحرى نموذج الشخصية التي تصنع لها واقعاً من الخيال. ومن غرائب هذا النوع من البشر القدرة على التحقيق في معارج الافتراضات وتقديم تصورات غاية في الخصوصية والغرائبية، ويرى المؤلفان أن هذه الخصوصية قد تنفع الشركات العابرة للقارات الباحثة عن إدماج التكنولوجيا بالخيال الجارف، غير أن (الدونكيشوتيزم) على حدّ تعبيرهما تتحول إلى محنة حقيقية إذا ارتبطت بالواقع وبالمخططات العملية، لأنها ستتجاوز الواقع إلى ما بعده، وستتحول من الممكن إلى المستحيل، لسبب بسيط خلاصته أنها فضاء للحلم. لا للمارسة الواقعية.
أما الفيلسوف والشاعر والفلكي الرياضي عمر الخيام، فإنه بالمقارنة مع (نوستراداموس) فإنه بدوره شغل الناس منذ القرن الخامس الهجري وحتى يومنا هذا، حيث إن الخياميات أصبحت واحدة من البحوث الروحية والفنية والفكرية التي تمددت في شرق وغرب العالم، ووجه التشابه بين الاثنين هو الرباعيات المعبرة عن لحظة تكثيف لمفهوم ورؤية محددة للوجود والذات، ولكن الاختلاف بينهما يكمن في ذهاب (نوستراداموس) بعيداً في المارورائيات باحثاً عن تلمّس ما سيأتي وغارقاً في الغموض، فيما تبحّر (الخيام) في تاصيل الذات وكنه الوجود متماهياً مع الحقيقة الكلية والعلة الأولى لهذا الوجود.
إن جملة المقارنات التي قام بها المؤلفان بين هذه الشخصيات، إنما على حدّ تعبيرهما "ترينا إلى أي مدى يتناسخ الراؤون والعباقرة وأصحاب القلوب الكبيرة والعقول الواسعة. ما يرينا في الوقت ذاته شمولية الهم الإنساني في الفكر والتأمل." وهو ما كنا أشرنا إليه في مفتتح هذه القراءة.
 

*من إصدارات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة
*مؤلفا الكتاب: د. عمر عبد العزيز كاتب وفنان تشكيلي يهتمّ بالنقد وعلم الجمال ويعمل حالياً في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة كرئيس لقسم الدراسات والأبحاث والإشراف على تحرير مجلة "الرافد" الثقافية، وله من المؤلّفات: مقاربات في التشكيل ـ ناجي العلي الشاهد والشهيد ـ في علم الجمال ـ كتابات أولى في الجمال ـ زمن الإبداع ـ والصوفية والتشكيل.
أما د. آمنة النصيري فهي فنانة تشكيلية وأستاذة في جامعة صنعاء باليمن، تدرّس مادة فلسفة وعلم الجمال ولها مساهمات نقدية كثيرة في الدوريات العربية المختلفة.

*بيان الكتب، دبي